التجمع الختامي لـ”البام” ببنجرير: أكبر تجمع وطني لحزب يعيد الاعتبار لأرض الميلاد

في مشهد سياسي وصف بأنه الأضخم في قائمة التجمعات الحزبية التي نظمها حزب الأصالة والمعاصرة، على المستوى الوطني خلال الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، احتضنت مدينة ابن جرير مساء الأحد 20 شتنبر التجمع الجماهيري الختامي لحزب الجرار، بحضور القيادة الوطنية على رأسها الأمينة العامة الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، ورئيس مجلس جهة مراكش أسفي سمير كودار، والأمين الجهوي طارق حنيش، ومناضلي ومناضلات الحزب من مختلف جماعات إقليم الرحامنة.


معقل الميلاد يجدد العهد
اختيار ابن جرير مكاناً لختم الجولة الوطنية لم يكن ؛ فالمدينة ومحيطها الرحماني هي مهد تأسيس الحزب سنة 2007 من رحم “لائحة الكرامة والمواطنة”. وقد استحضر مدير الحملة الإقليمية جمال المكماني هذه الرمزية في افتتاح اللقاء بقوله: «باسم هذه الأرض الطيبة، أرض الميلاد، ذكرى لائحة الكرامة والمواطنة… لهذا اللقاء دلالة خاصة، ولهذا اللقاء رسالة نبيلة، ضد كل أولئك المشككين الذين ظنوا يوماً بأن هناك أفولاً لكوكبة الرحامنة».
الحضور المكثف — الذي فاض عن قاعة الاستقبال حتى اضطر المنظمون إلى تركيب شاشات خارجية لمتابعة اللقاء — يفنّد الأطروحات التي رددها منافسون سياسيون خلال السنوات الأخيرة عن “أفول” الحزب. فقد سبق للأمينة العامة أن أشارت في كلمتها إلى ذلك بقولها: «عرفتي شحال من مرة خرجوا للجنازة تاع البام؟ والبام كاين، وباقي كاين، وغايبقى، وغايبقى بيكم يا أيّتها المناضلات والمناضلين».
قراءة في الحضور: تضاريس التعبئة
اللافت في هذا التجمع أنه لم يستقطب ساكنة ابن جرير وحدها، بل عرف توافداً من مختلف جماعات الإقليم: صخور الرحامنة، سيدي بوعثمان، الجعيدات، أولاد أملول، أولاد حسون حمري، أولاد الزعرية، سيدي بوبكر، نزالت العظم، الطلوح، سيدي عبد الله، بوروس، رأس العين، وغيرها. حضور رؤساء الجماعات الترابية بشكل موحد إلى جانب اللائحة يعكس ما وصفه وكيل اللائحة عز الدين المداوي بـ«التلاحم والتعاضد والوحدة»، وهي معطيات ميدانية يصعب على المنافسين تجاهلها في قراءة موازين القوى المحلية.
الأمين الجهوي طارق حنيش قدّم في مداخلته أرقاماً تنظيمية تدعم هذا المعطى: «هيكلة الأمانات الإقليمية وعددها 8 بحسب الأقاليم بالجهة الثمانية، إلى جانب 68 أمانة محلية بمجموع أقاليم الجهة». هذه البنية التنظيمية المتشعبة تفسّر جزءاً من قدرة الحزب على التعبئة في وقت يعاني فيه الفاعل الحزبي المغربي عموماً من ترهل في القواعد.


شهادات من المنصة: لماذا تصمد الرحامنة مع “الجرار”؟
تكشف مداخلات التجمع عن ثلاثة محاور تفسّر تشبث الرحامنيين بالحزب الذي وُلد بين ظهرانيهم
البعد العاطفي والانتماء الأصيل. استحضرت الأمينة العامة فاطمة الزهراء المنصوري في كلمة مؤثرة والدتها المتوفاة قائلة: «بقات الوالدة… في أيام باش تتوفى، وكانت في المصرة ديالها وكانت في السبيطار، وقالت لي: فين غادية؟ قلت لها: غادية نسني واحد الاتفاقية فيها 236 مليون درهم للرحامنة. قالت لي: عرفتي أ بنيتي… باك يتيرضي عليك». هذا البعد الوجداني، الذي يتقاطع فيه المسار الشخصي للقيادة مع مسار الإقليم، هو ما يمنح الحزب رصيداً رمزياً يعجز المنافسون عن مجاراته.
الحصيلة التنموية الملموسة. استعرض رئيس الجهة سمير كودار حصيلة استثمارية على مستوى الإقليم تجاوزت «مليار و100 مليون درهم»، شملت المنصة الغذائية ببنجرير، ومركز تكوين كرة القدم، ومحطة تصفية الدم، وبرنامج التأهيل الحضري، فضلاً عن مشروع «القطار السريع بين بنجرير ومراكش». وقد أكد كودار أن «الأرض ديال الرحامنة أرض خاصة والجذور ديالها والنباتات ديالها ميمكنش تموت دغيا، وما غتموتش وخا يديروا اللي داروا».
البرنامج والالتزامات. حرص وكيل اللائحة عز الدين المداوي على التمييز بين برنامج الحزب وبقية العروض المنافسة: «ما فيهش كلمات وإنشاد، فيه خمسة ديال المواثيق و20 ديال الالتزامات واضحة، وفيه آليات لتحقيق هذا العشرين التزام، وفيه كذلك تقييم نقدي والمالي والرقمي». وأعلنت المنصوري عن التزامات محددة تشمل رفع الدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم، ورفع الحد الأدنى للتقاعد إلى 3000 درهم، ودعم 80 ألف شاب قروي بقروض بدون فوائد.
مقارنة مع باقي الأحزاب: معادلة البرامج لا الصراعات
في رسالة سياسية موجهة إلى المنافسين، رفعت الأمينة العامة التحدي بشكل مباشر: «تنقول لكم أودي أنا تنطلب منكم سادة رؤساء الأحزاب وأنا امرأة… أنا بعدا شخصياً مستعدة نجلس معكم في الإعلام العمومي ونناقشوا البرامج ديالنا في بلاصة ما ننتقدوا بعضياتنا، ونخليوا المغاربة يختاروا من هو الأحسن». هذه الدعوة — التي لم تلق رداً علنياً من الفرقاء — تعكس ثقة قيادية في متانة العرض السياسي للحزب.
عضو المكتب السياسي أحمد التويزي كان أكثر مباشرة في تشخيص الفارق: «بغينا نغيروا المسار اللي كان خداه هاد الناس اللي كيهضروا عليه، مسار ديال تضارب المصالح… مسار ديال العمل، ديال العبث، ديال اللعب بقوت المواطنين». في المقابل، حرص المداوي على تعديل النبرة نحو الاحترام: «الحملة ديال حزب الأصالة والمعاصرة في إقليم الرحامنة كانت شريفة، وكانت نموذجية… في احترام للمنافسين ماشي الخصوم ديالنا».
الرهانات المستقبلية
يضع هذا التجمع الحزب أمام رهانين متكاملين، أولهما ترجمة الحماس الميداني إلى نسبة مشاركة مرتفعة، وهو ما ألح عليه المداوي بقوله «إلا كانت عندنا نسبة ديال المشاركة قليلة ما غيرحمك حتى واحد».
فيما يتمثل الرهان الثاني في استعادة المرتبة الأولى وطنياً، وهو طموح صرّح به كودار بوضوح: «طموحنا نحتلوا المرتبة الأولى، وهذا حق مشروع».
ما يخرج به المتابع من هذا التجمع أن حزب الأصالة والمعاصرة، ورغم كل ما تعرض له من محاولات “شيطنة” — على حد تعبير الشباب صلاح الدين عبقري: «عرف أكبر عملية شيطنة في المشهد السياسي وبقى راسو مرفوع» — لا يزال يحتفظ برصيد شعبي كثيف في إقليم مولده، ويستعد لخوض استحقاق 23 شتنبر بثقة رجل الميدان لا بمنطق المفاجأة.
يوم الأربعاء وحده كفيل بترجمة هذا الحضور الرمزي إلى أرقام في صناديق الاقتراع.

Post a Comment

أحدث أقدم