زايوسيتي
هناك مدن تظل تحتفظ بذاكرة حية لا تمحوها سنوات التغيير، وهناك شخصيات تتحول بمرور الزمن إلى أيقونات شعبية تحفر أسمائها في عمق وجدان الأجيال. مدينة زايو، بتاريخها الغني وأزقتها العتيقة وأبنائها الأوفياء، تظل تتغنى دائماً بأعلام صنعوا البهجة بأبسط الأسباب، وعاشوا وسط الناس بقلوب بيضاء وأرواح حرة. من بين هؤلاء الأعلام الذين تركت حكاياتهم صدى لا يترجل، الثنائي الاستثنائي الذي طبع ذاكرة أبناء الثمانينات والتسعينات: المرحوم محمد أو زهير، الملقب بـ”الدنيا”، ورفيقه الذي عُرف بـ”الآخرة”، رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناتهما.

لم يكن الثنائي مجرد عابرين في شوارع زايو، بل كانا جزءاً من نبضها اليومي. فكل من عاصر تلك الحقبة الجميلة يتذكر جيداً طقوسهما الفريدة، وحضورهما الدائم والمميز وراء شباك مرمى الخصم في كل مباريات فريق اتحاد زايو. بحركاتهما العفوية وتصرفاتهما الخارجة عن المألوف، كانا يضفيان طابعاً خاصاً على اللقاءات الكروية، متحولين إلى فرجة موازية تسرق الأضواء وتنتزع الضحكات من أفئدة الجماهير الغفيرة.
لقد سكنا، رحمهما الله، في الذاكرة الجماعية تماماً كما سكنا بالقرب من حي سيدي عثمان . هناك حيث كانت العلاقات الإنسانية مبنية على الدفء والجيرة الحقيقية، عاشا حياة البساطة والقرب من الناس، حاملين هموم الضحكة الصادقة في زمن كان فيه الفرح يُصنع بلا تكلف ولا أجهزة ذكية، بل بالمواقف الحية والقفشات العفوية التي تقطر حكمة وذكاء شعبياً خالصاً.
يظل المرحوم محمد أو زهير، الملقب بـ”الدنيا”، رمزاً من رموز الكوميديا التلقائية والفطنة الشعبية النادرة. بكلمة واحدة عفوية، كان قادرًا على زرع الابتسامة وخلق الفرحة في وجه مجتمع كامل زايو. لقد كانت تعليقاته ومواقفه ترقى إلى مستوى الكلام العميق والمدروس الذي يلامس واقع الناس ببصيرة نافذة، حتى بقيت جمله وتعبيراته تتداول على الألسنة جيلاً بعد جيل، وكأنها حكم خالدة تختزل فلسفة الشارع المغربي الأصيل.
حين نستحضر عفوية “الدنيا” وقدرته الفطرية على الإضحاك والانتزاع الفوري للبهجة، يدرك المرء أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى مسارح كبرى أو سيناريوهات مكتوبة، بل ينبع من صميم المعاناة وصدق التجربة الإنسانية، وهو ما جعله أسطورة حية في وجدان من عرفوه عن قريب.
رحل “الدنيا والآخرة” عن هذه الدنيا الفانية، وتركا خلفهما إرثًا نقيًا من الذكريات الجميلة التي تستحضرها الأجيال بحسرة محبة وتقدير كبير. إن استذكار هذه الأسماء اليوم ليس مجرد نبش في الماضي، بل هو فعل وفاء لروح مدينة زايو وأصالة رجالها الذين جعلوا من البساطة عنوانًا للخلود. رحم الله الأيقونة محمد أو زهير ورفيقه، وجعل مثواهما الجنة، وابقيا في قلوب كل من عرفهما عنوانًا لزمن جميل لن يتكرر.
The post وجوه من زايو العتيقة.. “الدنيا والآخرة”، حين كان الفرح يصنع بملامح العفوية وبساطة القلوب appeared first on zaiocity.net | زايوسيتي.نت.
إرسال تعليق