أزمة سبتة المحتلة تربك سوق العقار في المدينة وتجمّد عمليات البيع والشراء

أزمة سبتة تربك سوق العقار في المدينة وتجمّد عمليات البيع والشراء

تعيش سوق العقار في مدينة سبتة حالة من الترقب والحذر، بعدما انعكست تداعيات أحداث يومي 30 و31 يوليوز على قرارات الراغبين في شراء أو بيع العقارات، وسط حديث مهنيين في القطاع عن تراجع واضح في الثقة وارتفاع منسوب عدم اليقين بشأن مستقبل السوق.

وبحسب شهادات مهنيين في المجال نقلتها وسائل إعلام محلية، فإن عددا من المشترين أرجأوا إتمام صفقات كانوا بصدد إنجازها، فيما اتفق أطراف في معاملات أخرى على تعليقها مؤقتا، في وقت اختار فيه بعض المالكين عدم عرض عقاراتهم للبيع وانتظار اتضاح الصورة.

ويختصر أحد العاملين في القطاع الوضع بالقول إن المالكين الذين لا يواجهون حاجة ملحة للبيع يفضلون الانتظار، إلى حين عودة الاستقرار ومعرفة الاتجاه الذي ستسلكه الأسعار.

ويرى خوسيه ماريا كامبوس، من وكالة “OPI Oportunidades Inmobiliarias”، أن حالة الترقب الحالية ليست سابقة في المدينة، مستحضرا ما حدث خلال ماي 2021، عندما أدت أجواء التوتر التي شهدتها سبتة إلى دفع عدد من الراغبين في اقتناء مساكن إلى التراجع عن قراراتهم.

شلل في سوق البيع والشراء

ويؤكد كامبوس أن الوضع الحالي تجاوز مجرد الحذر، وبلغ حد توقف سوق شراء العقارات بشكل شبه كامل، مشيرا إلى أن بعض الصفقات التي كانت قد قطعت أشواطا مهمة توقفت باتفاق بين المشترين والبائعين، في انتظار اتضاح التطورات.

ويقول إن «كل من كان يعتزم الشراء توقف عن ذلك»، معتبرا أن استعادة نشاط السوق تظل مرتبطة بدرجة كبيرة بعودة الثقة ووجود إجراءات تساعد على طمأنة المتعاملين.

ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة في سبتة، حيث يوضح المهني نفسه أن غالبية عمليات شراء المساكن تتم بهدف الإقامة والسكن وليس الاستثمار؛ وبالتالي فإن أي تغير سلبي في صورة المدينة أو الإحساس باستقرارها ينعكس مباشرة على قرارات الأسر والأفراد الراغبين في شراء منزل.

ولا يستبعد القطاع أن تمتد تداعيات الوضع إلى المستثمرين العقاريين، إذ يحذر كامبوس من إمكانية توجه بعض المستثمرين، سواء من داخل سبتة أو خارجها، نحو أسواق أخرى، من بينها كوستا ديل سول ومناطق مختلفة من قادس، بدلا من ضخ أموالهم في المدينة خلال المرحلة الحالية.

الطلب على الإيجار يتزايد

وفي مفارقة واضحة، لا يعاني سوق الإيجار من المشكلة نفسها التي تواجهها سوق البيع، بل يسجل طلبا مرتفعا في مقابل نقص حاد في العرض.

ويشير كامبوس إلى أن ندرة المساكن أصبحت تدفع بعض الباحثين عن سكن إلى الاستفسار حتى عن المرائب والمخازن، بعدما بات العثور على شقة مناسبة أمرا صعبا.

وتشمل هذه الضغوط أيضا الأشخاص الذين ينتقلون إلى سبتة للعمل، بمن فيهم عناصر أجهزة الأمن الذين يتم تعيينهم أو إيفادهم إلى المدينة لفترات مؤقتة، حيث يجدون صعوبة في الحصول على مساكن للإيجار.

ويؤكد سورش دهانواني، من وكالة Mar Real Estate، أن أزمة العرض في سوق الإيجار تسبق أحداث يوليوز، موضحا أن النقص كان قائما منذ فترة، وأن انخفاض عدد عمليات الإيجار خلال العام الحالي يعود بالأساس إلى عدم توفر الشقق.

ويقول إن المشكلة «رقمية» بالدرجة الأولى: عدد الباحثين عن السكن يفوق بكثير عدد الوحدات المتاحة.

ومع ذلك، يدعو دهانواني إلى عدم التشاؤم، معتبرا أن الحديث عن تراجع محتمل في الأسعار لا يعني بالضرورة انخفاض قيمة العقارات، لافتا إلى أن عدد العقارات المعروضة للبيع ارتفع خلال الفترة الأخيرة.

ملاك يتراجعون عن البيع وأسعار العرض تتغير

أما سوق البيع، فيظهر فيه الحذر بشكل أكبر، حيث بدأ بعض المالكين في مراجعة الأسعار التي يطلبونها، بينما اختار آخرون تأجيل البيع إلى حين تحسن الظروف.

ويتحدث أحد المهنيين عن انخفاضات تقدر بـأكثر بقليل من 20 في المائة في بعض الحالات، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين الأسعار المعلنة على منصات العقار والأسعار التي تنتهي إليها الصفقات فعليا، لأن بيانات المواقع تعكس أساسا أسعار العرض.

وفي المقابل، سجل السوق ظاهرة غير مألوفة عقب أحداث يوليوز، تمثلت في تلقي بعض أصحاب العقارات عروضا تفوق الأسعار التي كانوا قد حددوها عند عرض ممتلكاتهم للبيع، وهي حالة وصفها أحد المهنيين بأنها مثيرة للاستغراب وتعكس حالة الارتباك التي أصابت سلوك المتعاملين.

تفاوت كبير في أسعار العقارات بين أحياء سبتة

وتظهر بيانات مؤشرات العقار تفاوتا كبيرا بين مختلف مناطق المدينة؛ فوفق أحدث أرقام مؤشر Fotocasa، تراجع سعر العقارات المعروضة للبيع في حي الأمير خلال غشت بنسبة سنوية بلغت 27.9 في المائة، ليستقر عند نحو 1688 يورو للمتر المربع.

كما سجل الحي نفسه انخفاضا بنسبة 26.4 في المائة خلال ثلاثة أشهر، وبنسبة 6.4 في المائة مقارنة بشهر يوليوز.

في المقابل، اتخذت الأسعار في حي المرسى مسارا معاكسا، مسجلة ارتفاعا سنويا قدره 22.9 في المائة.

وتقدم منصة Idealista صورة مختلفة للسوق، إذ تقدر متوسط سعر المتر المربع في سبتة بنحو 2754 يورو، بزيادة سنوية تصل إلى 16.6 في المائة.

ويرتبط هذا التباين باختلاف منهجيات احتساب البيانات ونوعية العقارات والأسعار التي تعتمدها كل منصة، وهو ما يجعل قراءة المؤشرات العقارية بحاجة إلى قدر من الحذر.

أحداث 2021 تعود إلى الواجهة

وتعيد المعطيات الحالية إلى الواجهة تداعيات أحداث ماي 2021، التي شهدت بدورها تدفقا جماعيا للمهاجرين من المغرب نحو سبتة، وإن كان حجم تلك الأحداث أقل بكثير من الأزمة التي عرفتها المدينة خلال الصيف الحالي.

ويشكل ذلك التاريخ مرجعا للمهنيين في محاولة فهم الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها الأزمات والتوترات على ثقة السكان والمستثمرين وعلى حركة سوق العقار.

وفي الوقت الراهن، يظل السؤال المطروح هو ما إذا كان التراجع المسجل في عمليات البيع والشراء مجرد توقف مؤقت فرضته الظروف الحالية، أم أنه سيتحول إلى أزمة ممتدة خلال الأشهر المقبلة.

كما يحذر المهنيون من أن مقارنة الأشهر الحالية بالفترات السابقة يجب أن تراعي العامل الموسمي، إذ تعرف أشهر الصيف عادة تراجعا في وتيرة المعاملات العقارية، ما يجعل من المبكر إصدار أحكام نهائية قبل مراقبة أداء السوق خلال الخريف وبداية العام المقبل.

مهنيون يتوقعون استمرار الضبابية

ولا يخفي كامبوس تشاؤمه بشأن المرحلة المقبلة، معتبرا أن الجمع بين توقف عمليات البيع وتراجع الثقة وغياب إجراءات واضحة لاستعادة النشاط يجعل آفاق القطاع صعبة.

ويؤكد أن القطاع العقاري يحتاج إلى قرارات من شأنها إعادة بناء الثقة وتحريك السوق من جديد.

وفي ظل هذه المعطيات، ينصح كامبوس الراغبين في البيع أو الشراء بـعدم التسرع وانتظار تطورات الوضع، محددا بداية سنة 2027 كموعد أفضل، في نظره، لتقييم الاتجاه الذي ستسلكه السوق.

 

Post a Comment

أحدث أقدم